أخبار المغرب

الكتابة باللغات الإفريقية.. تحديات التدوين

ثمة مشكلات أخرى لا صلة لها بأن الغرفة التي تخص السجين وحده هي الزنزانة 16. منها مثلا مشكلات الجمل والفقرات. لقد أبدى “تـ. س. إليوت” ملاحظة ذكية حول خاصية الكلمات المنفلتة:

تضنى الكلمات

تتصدع وتنكسر أحيانا، تحت العبء،

بالجذب، تنفلت، تنزلق، تنمحي

تذبل بالزلل، لا تستقر في مكان،

لا تظل ثابتة.

تأكد هذا الأمر بشكل أكبر بالأحرى وأنا أكتب “كايتاني موثارابايني”. ذلك أن لغة الـ”جيكويو” لا تملك تراثا مهما في الرواية أو التخييل. لقد حاول “جاكارا وا وانجاو” أن يبتدع بدايات مثل هذا التراث. لكن كتبه منعت في الخمسينيات. وبعد الاستقلال، أسس صحيفة بلغة الـ”جيكويو” عنوانها “جيكويو نا مومبي”. وأشرف على سلسلة تخييلية من مغامرات “كيواي وان دوووا”. لكنها لم تتميز بخاصية كتاباته في الخمسينيات التي نفدت معظم طبعاتها. كما واجهت مشكلات أساسية مرتبطة بصيغة الفعل، وحتى تلك المرتبطة بأثر الكلمات البصري وهي على الورق. بل كانت الكلمات والصيغ الفعلية أكثر انفلاتا بسبب إملاء الـ”جيكويو” غير المُرضي. إذ اختصر لغةَ الـ”جيكويو” متكلمون ليسوا من أهلها أمثال المبشرين الأوربيين، حيث لم يكن بمقدورهم دائما أن يحددوا المدود المختلفة للحروف الصائتة. فالتمييز بين المد القصير والطويل في الحرف الصائت مهم جدا في نثر الـ”جيكويو” وشعرها. لكن الإملاء السائد غالبا ما يجعل القارئ يقدر ما إذا كان سيمدد صوت الحرف الصائت أم سيقصره. سيكون هذا الأمر متعبا للغاية في نص نثري طويل. وافترض هذا الافتقار إلى وسائل التمييز بين الحروف الصائتة الممدودة والقصيرة وجود معرفة سابقة عن كل الكلمات لدى القارئ. حاولت أن أحل المشكلة باستعمال حرفين صائتين مزدوجين حيث أردت أن أشير إلى الحرف الصائت الممدود. لكن المسألة استغرقت صفحات عدة قبل أن أعتاد على ذلك. وحتى ذلك الحين لم يكن الأمر مرضيا أبدا لأن ما استلزمه ذلك كان حرفا جديدا أو علامة جديدة للحرف الصائت الممدود. كما كانت الـ”جيكويو” لغة نبرية، لكن الإملاء السائد لم يكن يشير إلى الاختلافات النبرية.

إذا، لهذه الأسباب كلها، كنت أكتب فقرة في المساء، متأكدا من كيفية قراءته، لأجد لاحقا أنه قد يقرأ بطريقة مختلفة تغير المعنى تماما. لم أستطع أن أحل المشكلة إلا بالتحكم الصارم في سياق الكلمات في جملة، وسياق الجملة في فقرة، وسياق الفقرة في كامل وضع مجرى الحدث في الزمان والمكان. نعم، كانت الكلمات تنفلت وتنزلق أمام عيني. لم تستقر في مكانها. لم تظل ثابتة. وكان هذا في الغالب مدعاة إحباط كاسح.

لكن المشكلة الأكبر وقتئذ، والتي لازلت أظنها أكبر مشكلة تواجه نمو الرواية الإفريقية وتطورها، هي إيجاد “اللغة التخييلية” المناسبة؛ أي بالتخييل نفسه باعتباره شكل لغة يتواصل بها الكاتب تواصلا فعالا مع الجمهور المستهدف، وهو، في حالتي، الشعب الذي خلفته ورائي.

ثمة مشكلتان مترابطتان تهمان “اللغة التخييلية” إزاء الجمهور الذي اختاره الكاتب، وهما: علاقته بالشكل، بالجنس نفسه، وعلاقته بمادته، أي بالواقع أمامه. فكيف سيعالج الشكل؟ وكيف سيعالج المادة المطروحة أمامه؟

يتمحور السؤال الأول حول كيفية تطور الرواية باعتبارها شكلا. فـ”ديفو” مختلف عن “جورج إليوت”، وبالتأكيد عن “بلزاك” و”زولا” و”تولستوي” و”دوستويفسكي”. وماذا عن “جوزيف كونراد” و”جيمس جويس” و”فوكنر” في معالجاتهم وجهات النظر والزمن والشخصية والحبكة؟ لقد أنتجت الرواية الأفرو-أوروبية نفسها حقلا كاملا من الطرائق: من تطور الحبكة الخطي في رواية “تشينوا أتشيبي” “الأشياء تتداعى” إلى رواية “وول سووينكا” “المترجمون الفوريون” التي كادت تستغني عن الحبكة. هل بمقدوري أن أكتب لجمهور لم يقرأ رواية أبدا بالطريقة ذاتها التي سأكتب بها لجمهور قرأ أو اطلع على أعمال “جيمس جويس” أو “جوزيف كونراد” أو “وول سووينكا” أو “أيي كيوي أرماه”؟

لقد مررت بمراحل مختلفة من التطور “التقني” في ممارستي السابقة للرواية الأفرو-أوروبية. تميزت روايتاي “النهر الفاصل” و”لا تبك أيها الطفل” بحبكة خطية، حيث يقود كل حدث إلى الحدث اللاحق على امتداد المتوالية العادية وتقسيمات الزمن- الثواني، الدقائق، الساعات، الأيام، الأسابيع، الشهور، السنوات. إذ يقود حدث إلى حدث في تتابع بحقل زمني متواصل. إنها مقاربة السيرة الذاتية حيث الشخصية/ السارد يقتفي أثر البطل في الزمان والمكان من نقطة دخوله/ها حتى نقطة الخروج، لنقل من الولادة إلى الوفاة. ووجهة النظر هي، إلى حد كبير، وجهة نظر الشخصية المركزية. والصوت السردي الواحد هو صوت ذلك السارد/ المؤلف العارف بكل شيء. لكني بِتُّ، زمن صدور “لا تبك أيها الطفل” سنة 1964، غير راضٍ عن تلك الطريقة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: